أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
99
شرح مقامات الحريري
يا أيّها القاضي الّذي علمه * وحلمه أرسخ من رضوى قد ادّعى هذا على جهله * أن ليس في الدّنيا أخو جدوى وما درى أنّك من معشر * عطاؤهم كالمنّ والسّلوى فجد بما يثنيه مستخزيا * ممّا افترى من كذب الدّعوى وأنثني جذلان أثني بما * أوليت من جدوى ومن عدوى * * * والحريق : ما تحرقه النار من الحشيش والعيدان ، وناره ضعيفة لا تدوم . السمك : كبش الماء ، فلا يستوي إلّا على نار قوية فربّما شوى سمكته ما دام لهب النار موجودا ، فإذا سكن اللهب لم يتمكن من شيّها لعدم الجمر في الحريق ، فيريد أنّه حرّض القاضي بالشعر على الكرم ، حين اهتزّ للكرام ، وغضب من تبخيلهم فهزّه بهذا الشعر ليجود عليه قبل أن يسكن ، فربّما يبدو له ألّا يجود . أرسخ : أثبت رضوى : جبل بالمدينة سهل مشتق من الرضوان ، كأنّ الذي يصعده راض عنه لقلة المشقّة في صعوده . أخو جدوى : صاحب عطية وكرم . المنّ والسلوى : طعام كان ينزل على بني إسرائيل ، وقيل : المنّ الترنجبين والسلوى . السماني ، وهو طائر . يثنيه : يردّه . مستخزيا : صاغرا خاضعا . ويروى « مستخديا » ، والخدية : الاستحياء ، أو يكون بمعنى مهانا ، والخزي : الهوان افترى : كذب واستبعد أنثني جذلان : أرجع فرحا . أوليت : أعطيت . حدوى : إعانة ، أي أرجع بالجدوى ، وبإعانتك لي عليه حتى يتوب من عقوقه . * * * قال : فهشّ القاضي لقوله ، وأجزل له من طوله ، ثمّ لفت وجهه إلى الغلام ، وقد نصل له أسهم الملام ، وقال له : أرأيت بطل زعمك ، وخطأ وهمك ! فلا تعجل بعدها بذمّ ، ولا تنحت عودا قبل عجم ، وإيّاك وتأبّيك ، عن مطاوعة أبيك ، فإنّك إن عدت تعقه ، حاق بك منّي ما تستحقّه ، فسقط الفتى في يده ، ولاذ بحقو والده ، ثم نهض يحفد ، وتبعه الشّيخ ينشد : [ السريع ] من ضامه أو ضاره دهره * فليقصد القاضي في صعده سماحه أزرى بمن قبله * وعدله أتعب من بعده * * * هشّ : فرح . أجزل : أكثر . طوله : إفضاله وهباته . ولفت : ردّ نصل : جعل له نصالا ، وأنصلها : نزع نصالها ، والنّصل : حديدة السهم . بطل زعمك ، أي بطلان قولك . وهمك : ظنك . تنحت : تنجر . عجم : اختبار ، أي حتى تعلم : هل هو قويّ أو ضعيف ،